سياسية و اقتصادية, مراجعات لكتب و قضايا اجتماعية

التحقيق الجنائي و دوره في إبراز الحقيقة

إعداد الباحث: عبد الرحمن ملالحة
طالب درجة الدكتوراة في جامعة سعيدة

الإيميل: abdmalalha.92@gmail.com

ملخص:
يمارس عملية التحقيق الابتدائي حسب التشريع الجزائري و حسب التشريعات الأخرى التي تأخذ بالفصل بين سلطتي التحقيق و الاتهام قضاة يعينون لهذا الغرض.
ففي الجزائر يعين لهذه المهام قاضي التحقيق بمقتضى قرار من وزير العدل لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد، كما يمكن أن ينهي مهامه بنفس الطريقة و يساعده في أعماله كاتب ضبط، و لا يوجد مانع قانوني بأن يساعده قضاة آخرين يعملون تحت إشرافه طبقا للمادة 39 من قانون الإجراءات الجزائية، سواء في إطار التربصات أو في إطار الأعمال العادية أو سواء في إطار الإنابات القضائية.
الكلمات المفتاحية: التحقيق الابتدائي، جمع الأدلة، السلطة التقديرية للقاضي، قاضي التحقيق.

Abstrait:
L’enquête initiale doit être effectuée conformément à la législation algérienne et conformément à d’autres dispositions législatives qui séparent les autorités chargées des enquêtes et des poursuites des juges nommés à cet effet.
En Algérie, le juge d’instruction est nommé à ces fonctions par décision du ministre de la Justice pour une période renouvelable de trois ans, il peut également exercer ses fonctions de commis au contrôle et ne peut être empêché par d’autres juges agissant sous son contrôle. Que ce soit dans le cadre de la formation ou dans le cours normal des affaires ou dans le cadre de procédures judiciaires.
Les mots clés: Enquête initiale, Recueillir des preuves, La discrétion du juge, Le juge d’instruction.

مقدمة:
التحقيق من “الحقيقة” و غرضه الوصول إلى حقيقة الجريمة و مرتكبها، و إن لم يكن التحقيق بالأمر الحديث، إنما هو إجراء يرجع في جذوره إلى العصور القديمة، مع الاختلاف في الأساليب و الإجراءات.
فالقانون هو الأداة التي تنظم حقوق و حريات الأفراد، فهو الذي يكفل الضمانات اللازمة لحماية حقوق الإنسان وحرياته.
فقانون الإجراءات الجزائية في سعيه للكشف عن الحقيقة بشأن الجريمة و عقاب مرتكبيها، يحمي مصلحة المجتمع في هذا الشأن. كما يحمي حقوق و حريات الأفراد في الحقوق المقررة به. فهو يهتم بتوفير الضمانات المختلفة للأفراد في جميع مراحل الدعوى الجنائية.
و في غضون ذلك سنحاول التطرق إلى التحقيق الجنائي و دور القانون في تنظيم التحقيق و الوصول إلى الحقيقة بكل شفافية ونزاهة.
المبحث الأول: قاضي التحقيق من الناحية النظرية
تمر الدعوى الجنائية قبل أن ترفع إلى القضاء للفصل فيها بمرحلة التحقيق الابتدائي، بغية الكشف عن حقيقة الأمر فيها و التنقيب عن مختلف الأدلة التي تساعد على تقدير صلاحية عرض الأمر على القضاء.
حيث أنه يفصل بين وظيفتين سلطة الاتهام و التحقيق من حيث الطبيعة و المضمون و الهدف. و مازال مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام و التحقيق محلا لمناقشات عديدة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
المطلب الأول: التعريف بالتحقيق الابتدائي
التحقيق هو أحد وظائف القضاء الجنائي، و قد وضعت هذه الوظيفة حتى لا يطرح على سلطات الحكم في الدعوى غير التهم المرتكزة على أساس متين من الوقائع و القانون، إذ ترمي هذه الوظيفة إلى تحقيق أمرين: الأول جمع أدلة الجريمة، و الثاني تقدير هذه الأدلة من حيث التهمة. فالغرض منها إعداد الدعوى الجنائية، لذلك وصف التحقيق بأنه “ابتدائي”، لأنه يستهدف التمهيد لمرحلة المحاكمة، و ليس من شأنه الفصل في الدعوى بالإدانة أو البراءة، و إنما مجرد استجماع العناصر التي تتيح لسلطة أخرى ذلك الفصل. و يمثل التحقيق الابتدائي بذلك المرحلة الأولى للدعوى الجنائية.
و في هذه المرحلة تبدو الحاجة ملحة إلى تأكيد التوازن بين حق الدولة في العقاب، و حق المتهم في الحرية الفردية و كفالة حقه في الدفاع عن نفسه.
مفهوم التحقيق الابتدائي، يعرف بأنه “مجموعة من الإجراءات القضائية التي تباشرها سلطات التحقيق بالشكل المحدد قانونا، بغية تمحيص الأدلة، و الكشف عن الحقيقة قبل مرحلة المحاكمة”.
أما بالنسبة للسلطة التي تباشر التحقيق، يتميز التحقيق الابتدائي عن غيره من إجراءات الدعوى في مراحلها المختلفة بالسلطة التي تباشره، و قد اختلفت النظم الإجرائية في تحديد هذه السلطة، و اتبعت بشأنها مذاهب شتى. فالثابت في فرنسا أن التحقيق الابتدائي يعهد به إلى قاضي التحقيق، و سار على منوالها دول كثيرة.
في حين أسندت سلطة التحقيق في مصر إلى النيابة العامة بالإضافة إلى سلطتها الأصيلة في الاتهام.
أما بالنسبة لطبيعة التحقيق و الغاية منه، فالوظيفة الأساسية لسلطة التحقيق هي مباشرة إجراءاته، بقصد التنقيب عن أدلة الدعوى جميعا، ما كان منها ضد مصلحة المتهم، و ما كان في مصلحته، ثم الترجيح بينهما − في حيادة تامة − واتخاذ قرار بمدى كفاية الأدلة لإحالة المتهم إلى المحاكمة، فهي تمثل على هذا النحو حكما محايدا بين الاتهام والمتهم.
أما بالنسبة للشكل القانوني للتحقيق، ميزت النظم الإجرائية إجراءات التحقيق الابتدائي بخصائص معينة يجب مراعاتها لاعتبار الإجراء من إجراءات الاستدلال . و تستلزم هذه النظم بالتحقيق الابتدائي التدوين و كذلك وجوب تحرير المحضر بمعرفة كاتب التحقيق، و السرية بالنسبة للجمهور، و العلانية للخصوم و غير ذلك من الأشكال القانونية اللازمة لصحة الإجراء باعتبارها تحقيقا.
أما بالنسبة لأهمية التحقيق الابتدائي، تتجلى في كونه مرحلة تمهيدية للمحاكمة، تؤدي إلى تحضير الدعوى و تحديد مدى قابليتها للنظر أمام قضاء الحكم.
يؤكد ذلك أن بعض الأدلة لا يتيسر جمعها أو التحري عنها إبان مرحلة المحاكمة، و إنما يتعين إتمام ذلك في وقت لاحق على ارتكاب الجريمة مباشرة، مما يؤدي إلى إتاحة الفرصة لجمعها قبل الضياع، فكل تأخير في تحقيق هذه المهمة قد يؤدي إلى تشويه الحقيقة. كما أن القاضي الجنائي قد يصعب عليه الفصل في الدعاوي إذا لم يكن متوافرا أمامه ملف التحقيق الابتدائي كاملا. ذلك أن سلطة التحقيق تقترب من الواقع أكثر من القاضي، و هذا ما يجعل الأخير مطمئنا إلى ما تم من تحقيقات ابتدائية.
ما إذا كان الأصل وجوب بناء الأحكام على التحقيقات التي تجري أمام المحكمة، و منها تكون عقيدتها، إلا أنه لا تثريب على القاضي في طرح بعض الأدلة التي يؤدي إليها ما تم أمامه من إجراءات، و تأسيس حكمه على التحقيقات الابتدائية إذا بدت له هذه التحقيقات أدنى إلى الحقيقة و ادعى إلى الاطمئنان من التحقيقات التي تمت أمامه في الجلسة.
لذلك قيل −بحق− أن نشاط قاضي الحكم المتمثل في التحقيق أثناء الجلسة، هو في الواقع نشاط مراقبة أكثر منه تحقيق، واستكمال للتحقيق أكثر منه خلق للدليل.
هذا من ناحية، و من ناحية أخرى يعد التحقيق الابتدائي ضمانة هامة لصالح الأفراد و للمصلحة العامة على السواء.
المطلب الثاني: خصائص التحقيق الابتدائي
للتحقيق الابتدائي خصائص عامة مشتركة لا تنفك عنه أيا كان الشخص الإجرائي الذي يتولى مباشرته، أي سواء كان النيابة العامة ، أم قاضي التحقيق. هذه الخصائص تنحصر في إيجاب سريته، و تمكين الخصوم من حضوره، وتدوين إجراءاته.
سرية التحقيق: إذا كان الأصل في المحاكمات علانيتها باعتبار ذلك ضمانا ضروريا لإرضاء شعور العدالة، فإن التحقيق الابتدائي ينبغي أن يكون سريا.
فيقصد سرية التحقيق، عدم السماح للجمهور حضور إجراءاته، و حظر إذاعة ما تتضمنه محاضره، و ما يسفر عنه من نتائج و ما يتصل به من أوامر. فالسرية تنصرف إلى الجمهور ولا تمتد إلى الخصوم.
و يعد مبدأ سرية التحقيق أحد الوسائل التي ترمي إلى تحقيق التوازن بين مصلحة المجتمع و مصلحة المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي .
أما بالنسبة لأهمية سرية التحقيق، حيث شرعت السرية من أجل مصلحة المجتمع و المتهم في نفس الوقت. و تبدو مصلحة المجتمع في أن مبدأ السرية يضمن سلامة سير التحقيق و بلوغ هدفه في إظهار الحقيقة، و تجنيب المحقق التأثر بانفعال الجماهير و خضوعه لتأثير الرأي العام ووسائل الإعلام على وجه يفقده حياده و موضوعيته.
كما تحول بين الجناة الذين لم يتوصل التحقيق بعد إلى معرفتهم و بين الوقوف على مجرياته واتجاهاته، فلا يعمدون إلى الفرار أو العبث بأدلة الجريمة.
كما يخفف المشرع من سرية التحقيق كلما اقتضى الصالح العام هذا التخفيف، كما في نشر معلومات تسمح بتحديد شخصية هارب أو العثور على شيء مسروق، و كما في دعوة أشخاص من الذين شاهدوا الواقعة للتقدم بشهادتهم فيها. و يجيز لرئيس النيابة بعد أخذ رأي النائب العام أن يقدم على الصحافة بيانا مكتوبا، بيد أن هناك من الإجراءات ما لا يجوز اتخاذها بأي حال من الأحوال مثل عقد مؤتمر صحفي حول سير التحقيق.
أما بالنسبة لجزاء مخالفة سرية التحقيق، فالواقع ان مبدأ سرية التحقيق بالنسبة للجمهور هو من خصائص التحقيق الابتدائي وليس شكلا جوهريا لإجراءات التحقيق.
و يترتب على ذلك أن مخالفة هذا المبدأ لا تؤدي إلى بطلان إجراءات التحقيق التي بوشرت في علانية، و لاتؤثر بالتالي في إجراءات التحقيق اللاحقة. غير أن عدم بطلان الإجراء لا يمنع من إمكان تقييم النتائج التي يسفر عنها من قبل محكمة الموضوع إذا كانت العلانية قد أثرت على ذات الإجراء.
تطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن سماع شاهد في حضور شاهد آخر لا يترتب عليه بطلان هذا دون إخلال بسلطة المحكمة في تقدير قيمة الشهادة من الناحية الموضوعية .
كما قضي بأنه ليس في حضور ضابط الشرطة أثناء التحقيق الذي تجريه النيابة ما يعيب إجراء التحقيق حتى و لو كان هذا الإجراء هو الاستجواب، طالما أن حرية الدفاع قد كفلت بكافة الضمانات المقررة للتحقيق.
حق الخصوم في حضور التحقيق، يعد حق الخصوم في حضور التحقيق أحد مظاهر التوفيق بين مصلحة المجتمع و مصلحة المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي، و يتجلى ذلك فيما لهذا الحق من أهمية.
حيث تبدو أهمية هذا الحق من ناحيتين، الأولى، أنه يخلق نوعا من أنواع الرقابة على إجراءات التحقيق. فإجراء التحقيق بحضور الخصوم من شأنه إيجاد رقيب على المحقق، الأمر الذي يكون له أثره في حمله على التزام الحيدة و التقيد بأحكام القانون، و في ذلك إرساء للثقة و الطمأنينة في سلامة الإجراءات في نفوس الخصوم. فمجرد شعورهم بأن لهم الحق في حضور التحقيق و معرفة ما يتم من إجراءات يدفعهم للثقة في سلامتها، و يبعث في نفوسهم الطمأنينة التي تعد من أهم ضمانات الدفاع الواجب توفيرها للمتهم. أما الثانية، فإن هذا الحق يعطي الخصوم الفرصة للوقوف على سير التحقيق في كل أدواره، فلا يفاجئ أحدهم بدليل قائم ضده في وقت غير مناسب بحيث يتعذر عليه تنفيذه. لذلك اعترفت أغلب التشريعات الإجرائية للخصوم بالحق في حضور التحقيق.
كما قرر المشرع الفرنسي و المصري هذا الحق، رغم أن مفهوم الخصوم يختلف في كلا التشريعين . إذ يقصد بالخصوم الذين لهم الحق في حضور إجراءات التحقيق في التشريع الفرنسي، النيابة العامة و المتهم في حالة استعانته بمحام ، و كذلك المدعي بالحق المدني.
و تأكيدا لذلك صدر قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي عام 1958 و نص صراحة على سرية التحقيق مع عدم الإخلال بحقوق الدفاع.
فإذا تمكن أحد الخصوم من حضور التحقيق رغم عدم إخطاره بسبب الاستعجال فلا يجوز للمحقق أن يمنعه من حضوره (إلا إذا كانت هناك حالة ضرورة لذلك)، ومن لا يتمكن منهم من الحضور يكون من حقه الاطلاع على الأوراق المثبتة للإجراءات التي تمت في غيبته.
و الأصل أيضا أنه لا يجوز منع محام من الحضور مع موكله لأي سبب كان المنع، إذ يعتبر الخصم و محاميه في الدعوى شخصا واحدا، في التحقيق و المحاكمة، فإذا قيل بالسرية لأحدهما وجب القول بها للآخر، دون أي تفرقة. و لأي من الخصوم أو محاميهم فضلا عن ذلك حق الاطلاع على التحقيق الابتدائي أولا بأول، ما لم تقرر سرية التحقيق (حالة الضرورة و الاستعجال).
تدوين التحقيق: تدوين التحقيق أمر لازم، حتى يكون حجة على الكافة، و تكون إجراءاته أساسا صالحا لما يبنى عليها من نتائج . فالكتابة تنأى بها عن الشك و تدعو إلى الثقة فيها، فمن المستحيل الاعتماد على ذاكرة المحقق التي لا بد و أن تخونه بمرور الوقت، فآفة العقل النسيان. و على ذلك تعد الكتابة شرطا جوهريا في كل إجراءات التحقيق، فهي السند الدال على حصولها، فإذا لم يتم إثبات الإجراءات في محضر فلا وجود لها قانونا، و لذلك فإنها لا ترتب أثرا. و يستوي أن تثبت الإجراءات في محضر واحد فلا وجود لها قانونا، و لذلك فإنها لا ترتب أثرا. و يستوي أن تثبت الإجراءات في محضر واحد أو عدة محاضر، فكل الأوراق التي تتضمن أعمال التحقيق تعتبر من أوراق الدعوى.
و يترتب على عدم اصطحاب المحقق كاتب لتدوين الإجراءات التي تستوجب تدوينها بمعرفة كاتب بطلان هذه الإجراءات. و هذا البطلان هو بطلان نسبي، حيث يسقط الحق بالتمسك به إذا لم يكن قد دفع به أمام محكمة الموضوع. و لكن هذا الإجراء الباطل لا يفقد كل قيمته، فإذا كان لا يصح بوصفه إجراء تحقيق، فإنه يصح بوصفه من إجراءات الاستدلال.
و الأصل أن يكون الكاتب الذي يستصحبه المحقق لتدوين التحقيق مختصا بهذا العمل، و خروجا على هذا الأصل يجوز الاستعانة بغير الكاتب المختص، إذا اقتضت الضرورة ذلك، و حينذا يجوز ندب أس شخص للقيام بمهمة كاتب التحقيق بعد تحليفه اليمين. و تقدير حالة الضرورة متروك للمحقق تحت إشراف محكمة الموضوع.
و متى استشعر المحقق حرجا من الاستعانة بكاتب من كتاب المحكمة على مظنة احتمال المساس بحسن سير التحقيق أو الإضرار بمصلحة العدالة على أية صورة من الصور لاعتبارات تتصل بموضوع التحقيق و ظروفه أو بزمانه أو بمكانه جاز ندب غيره لهذه المهمة تأسيسا على أن الندب هو ضرورة تستقيم بها المصلحة العامة .
و لا يلزم بيان حالة الضرورة في المحضر بل يكفي ندب الكاتب الآخر حتى يفترض توافرها، حتى ولو كان محضر التحقيق خاليا من بيان الظروف التي دعت المحقق إلى ندب غير الكاتب المختص فلا ينفي ذلك قيام حالة الضرورة إلى ندب غيره.
المبحث الثاني: المختص في التحقيق
تمنح سلطة التحقيق من حيث الأصل إلى فئة “المحققين” غير أن ذلك لا يمنع من منح هذه السلطة إلى فئات أخرى كالادعاء العام و أعضاء الضبط القضائي .
فالقائم في التحقيق يؤدي رسالة كبرى، فيها الكثير من المشقة و الجهد، إذ يقوم وفقا لهذا الهدف بالموازنة بين الأدلة و تحديد احتمالات البراءة و الإدانة، أو بالأحرى يوازن بين حق الدولة في العقاب و قرينة البراءة المفترضة للمتهم وفقا لمبدأ الشرعية الإجرائية، و هو ما يقتضي التوفيق بين فاعلية الإجراء و بين ضمان الحرية الشخصية للمتهم.
و هذا ما يدعو إلى توفير قدر من الضمانات للمتهم، معها يضمن أن إجراءات التحقيق تتخذ في حيادة تامة، و أن حريته في كافة نواحيها لا تمتد لها يد المساس إلا في حدود القانون.
فالتحقيق الجنائي فن، و كل من يحتاج إلى موهبة، و الموهبة و الفن معا يحتاجان إلى إتقان، و الإتقان تأتي به الممارسة. لذا فسر الفقه الفرنسي تعيين قاضي التحقيق من بين قضاة المحكمة الابتدائية لمدة ثلاث سنوات، بأن وظيفة التحقيق تحتاج إلى الخبرة التي لا تكتسب إلا بالممارسة الطويلة.
المطلب الأول: المحقق
بموجب الفقرة (ه) من المادة (51) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي يعين (المحقق) بأمر من وزير العدل على أن يكون حاصلا على شهادة في القانون معترف بها، و يجوز منح ضباط الشرطة و مفوضيها و موظفي وزارة العدل الحقوقيين سلطة محقق بأمر من وزير العدل. فبموجب هذا النص نجد أن المحقق هو ذلك الشخص الحاصل على الشهادة الأولية في القانون (البكالوريوس) كحد أدنى والمعين على الملاك الحكومي بأمر من وزير العدل، و كذلك بإمكان وزير العدل منح الحاصلين على شهادة القانون من ضباط الشرطة و مفوضيها و موظفي وزارة العدل سلطة “محقق”.
و على العموم فإن المحقق يمارس عمله تحت إشراف قاضي التحقيق و بموجب الفقرة (و) من التشريع العراقي لا يمارس المحقق وظيفته لأول مرة إلا إذا حلف أمام رئيس محكمة الاستئناف، اليمين التالية: « أقسم بالله العظيم أن أؤدي أعمال وظيفتي بالعدل و أطبق القوانين بأمانة ».
فقد تزداد صلاحيات مأموري الضبط القضائي في الجزائر، نظرا للاستعجال أو لخطورة الجرائم أو لسبق فتح تحقيق فيها و يقع ذلك في حالات التلبس بجناية أو جنحة أو عندما يتعلق الأمر بالجرائم الموصوفة بالأفعال الإرهابية أو التخريبية أو في حالة الندب القضائي و كل ذلك نظمه المشرع الجزائري من خلال قانون الإجراءات الجزائية الجزائري.
و في هذا الصدد نظم المشرع الجزائري ذلك في قانون الإجراءات الجزائية حيث نص في المادة 66 منه على “أن التحقيق الابتدائي وجوبي في مواد الجنايات. أما في مواد الجنح فيكون اختياريا ما لم يمن ثمة نصوص خاصة . كما يجوز إجراؤه في مواد المخالفات إذا طلبه وكيل الجمهورية أي لوكيل الجمهورية التحقيق كلما طلب ذلك.
أما المادة 12 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري في حديثها عن جهة التحقيق قالت “نياط بالشرطة القضائية مهمة البحث و التحري عن الجرائم المقررة في قانون جمع العقوبات و جمع الأدلة عنها و البحث عن مرتكبيها مادام لم يبدأ فيها تحقيق قضائي.
و المادة 13 من نفس القانون الجزائري قالت “إذا ما افتتح التحقيق فإن على الضبط القضائي تنفيذ تفويضات جهات التحقيق و تلبية طلباتها و المادة 14 “يشمل الضبط القضائي، ضباط الشرطة القضائية، أعوان الضبط القضائي، الموظفين و الأعوان المنوط بهم قانونا بعض مهام الضبط القضائي”.
و بموجب المادة 17 من قانون الإجراءات الجزائية (تاح المشرع الجزائري لضباط الشرطة القضائية بتلقي الشكاوي و البلاغات و يقومون بجمع الاستدلالات و إجراء التحقيقات الابتدائية.
و يشار هنا إلى أنه عند مباشرة التحقيقات و تنفيذ الإنابات القضائية، لا يجوز لضباط الشرطة القضائية طلب أو تلقي أوامر أو تعليمات إلا من الجهة القضائية التي يتبعونها و ذلك مع مراعاة أحكام المادة 28 ق. إ. ج. ج.
و في حالة الجرم المشهود سواء أكان خيانة أو جنحة لهم الحق أن يلجئوا مباشرة إلى طلب مساعدة القوة العمومية في تنفيذ مهمتهم.
فمن أهم الشروط الواجب توافرها بالقائم بالتحقيق، أن يكون لديه معلومات قانونية، فظاهرة الجريمة وما يتصل بها هي الإطار العام الذي يشكل معلومات المحقق ، و لما كان المحقق الجنائي بشقيه الموضوعي و الإجرائي و ما يتصل به من علوم مساعدة، هو الذي يتولى دراسة هذه الظاهرة كان من الضروري العلم به.
فيجب على المحقق أيضا أن يكون ملما بعلمي الطب الشرعي و الطب العقلي و الإلمام بهذه العلوم يمكن المحقق من تحديد المهمة التي يعهد بها إلى الخبير الطبي، و منهم التقارير الواردة إليه، و مناقشتها و مقارنتها و ترجيح الصائب منها عند اختلافها ، فإذا كان الرأي في المسائل الطبية لأصحاب الاختصاص، فإن اقتناع المحقق بهذا الرأي أمر ضروري.
أما بالنسبة للثقافة العامة للمحقق، لكي يصل المحقق إلى حقيقة الجريمة لا بد و أن يكون ملما بمختلف الظروف بالمجتمع ، و أم يكون على دراية تامة بالمعلومات العامة التي تتصل بالواقعة الجنائية التي يقوم على تحقيقها، إذ أن فهم الواقعة الإجرامية و تحديد أبعادها يتطلب الإحاطة بكثير من المعرفة التي تتصل بشتى العلوم و مناحي الحياة.
و كثرة الاطلاع، و تنوع القراءات، و عدم قصرها على النواحي القانونية، يؤدي إلى اتساع مدارك المحقق و تجعله ملما بأطراف كل موضوع يعرض عليه.
المطلب الثاني: الصفات الواجب توافرها في المحقق
الحقيقة أن التشريعات الإجرائية المختلفة لم تنص على تلك الصفات، إنما هي خصال استخلصها علماء الفقه الجنائي في سبيل رسم إطار أخلاقي و مهني عام لعمل المحقق.
و إن كان هناك تشريع خاص في مصر بعمل المحققين سمي ب “تعليمات النيابة العامة”.
قوة الملاحظة و دقتها: يقصد بقوة الملاحظة و دقتها تلك المعرفة السريعة و الأكيدة لتفاصيل الأشياء التي تقع تحت الحواس ، أو هي القدرة على استيعاب الأمور مهما كانت دقيقة و مهما بدت تافهة لأول مرة.
_ و هو أمر يستلزم من المحقق أن يكون يقظا لكل ما يراه و يدور حوله و لا يدع أمر يمر به دون التوقف عنده بالتأمل و التفكير و التمحيص و التحليل، و ذلك في كل خطوة من خطوات التحقيق، فكثير من المظاهر و الأشياء التي تبدو تافهة ، هي مفتاح الوصول إلى الجريمة و حقيقة فاعلها، و قوة الملاحظة هذه صفة تتفاوت بين شخص و آخر تبعا لاختلاف تكوينهم الشخصي و التجارب التي مروا بها في حياتهم الماضية، كما أنها تتفاوت تبعا لميولهم و رغباتهم و مهنهم.
و لعل المجال الأبرز الذي تظهر فيه قوة ملاحظة المحقق هو الكشف (المعاينة) التي كثيرا ما تكشف عن بعض الآثار المادية التي تنبئ عن كثير من الحقائق المفيدة في التحقيق، لهذا يجب أن لا تفوت أي ملاحظة على المحقق عند وصوله إلى مكان الجريمة، كزلة لسان أحد الموجودين أو تصرف أحدهم بما لا يتفق و سير الأمور الاعتيادية.
_ العدالة و الحياد، من الضروري أن يكون المحقق عادلا حياديا، ذلك أن “الأصل في المتهم البراءة ” كما أن “الشك يفسر في صالح المتهم” فلا يكون المتهم مدانا إلا إذا كانت هنالك أدلة على إجرامه، لذا كان من المهم ترك الأمر إلى الأدلة التي تكشف هي عن المجرم و ليس تصورات المحقق أو خيالاته أو عواطفه، لهذا فليس من العدالة و حسن سير التحقيق أن يعتقد المحقق أن شخصا معنيا هو مرتكب الجريمة فيكون همه جمع الأدلة التي تدينه. بل إن العدالة و الحيادية تقتضي أن يكشف المحقق عن براءة البريء مثلما يكشف عن إدانة المجرم ، فلا يصح للمحقق أن يحيد عن طريق العدالة بإهماله أمورا تدل على أن يحرص و يتفانى في إثبات الجريمة بأية وسيلة، لأن ذلك سيقيم الشبهات حول عمل المحقق، وهو ما يعد من الأمور المعيبة في عمل المحقق.
_ قوة الذاكرة، يراد بقوة الذاكرة، القدرة على حفظ المعلومات و المشاهدات و الاختبارات التي تقع تحت أحد حواس المحقق و استعادتها عند الحاجة ، و تبدو أهمية قوة الذاكرة بالنسبة للمحقق في أنه عن طريقها يتمكن من الربط بين الحوادث الإجرامية الواقعة وعن طريقها يمكن أيضا الكشف عن ذلك التباين أو التطابق الحاصل في أقوال الشهود حول حادثة أو نقطة معينة.
كما تبدو قوة الذاكرة عند المحقق في إمكانية الربط بين الأحداث المختلفة لاسيما حينما قد يكون المتهم واحدا، فالتحقيق مع متهم معين قد يعيد إلى الذاكرة واقعة أخرى − لم يعرف المتهم فيها − ارتكبت بنفس الطريقة ، قد يؤدي إلى اكتشاف مرتكبها . و لعل خير وسيلة يتمكن بها المحقق من تنمية هذه الخصلة “قوة الذاكرة” عنده، هي أن يعي الأشياء و المظاهر التي تقع عليها حواسه و يمرن نفسه باستمرار على استعادة الحوادث السابقة، لأن الذاكرة تتطلب مثل تلك التمارين كي تنشط و لا تخبو.

خاتمة:
تبين لنا في نهاية المطاف أن نظام التحقيق المقرر في الجزائر من أحدث و أحسن الأنظمة المتبعة عبر العالم خاصة منها التشريعات العربية و الإفريقية من حيث كفالة الدولة في متابعة المجرم و توقيع الجزاء المناسب له و تمكين المتضرر من الجريمة من تحريك الدعوى العمومية بتقديم شكوىمع ادعاء مدني أما قاضي التحقيق المختص و صيانة حقوق الدفاع.
و أهم ما استحدثه التشريع الجزائري أيضا من خلال تفحصنا للموضوع هو أن التحقيق الابتدائي يكون سريا بالنسبة للجمهور و علانيا النسبة للخصوم بحيث لا يجوز لقاضي التحقيق أن يقوم بسماع المتهم أو المدعي المدني إلا بحضور محاميها و إعلانهما قانونا ما لم يرفضا الحضور.

قائمة المراجع

أولا: باللغة العربية
− أحمد فتحي سرور، الحماية الدستورية للحقوق و الحريات، دار الشروق، القاهرة، 1999.
− أحمد فؤاد عبد المجيد، التحقيق الجنائي، القسم العملي، ط05، القاهرة، 1939.
− جمال الدين العطيفي، الحماية الجنائيى للخصومة من تأثير النشر، جامعة القاهرة، 1964.
− جيلالي بغدادي، التحقيق دراسة مقارنة نظرية و تطبيقية، الديوان الوطني للأشغال التربوية، الجزائر، 1999.
− حسن صادق المرصفاوي، في المحقق الجنائي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1990.
− عمار عباس الحسيني، التحقيق الجنائي و الوسائل الحديثة في كشف الجريمة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2015.
− عمر السعيد رمضان، مبادئ الإجراءات الجنائية، ج01، دار النهضة العربية، 1993.
− عبد الحميد أشرف، الجمع بين سلطتي الاتهام و التحقيق في نظام قاضي التحقيق من الناحية التطبيقية، دار الكتاب الحديث، الطبعة الأولى، القاهرة، 2010.
− عبد الستار الجميلي و محمد عزيز، التحقيق الجنائي الحديث − بين النظريات و التطبيق −، مطبعة دار السلام، بغداد، 1976.
− محمد أنور عاشور، الموسوعة في التحقيق الجنائي العملي، ط02، عالم الكتب، القاهرة، 1936.
− مأمون سلامة، ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي في ضوء النظام الإجرائي الليبي، الحلقة العربية الثالثة للدفاع الاجتماعي، 1973.
− مأمون سلامة، الإجراءات الجنائية في التشريع المصري، ج01، دار النهضة العربية، 2004.
المقالات
− مصطفى محمود، سرية التحقيقات الجنائية و حقوق الدفاع، مجلة القانون و الاقتصاد، س 17، ع1، 1947.

النصوص القانونية
− أمر رقم 15−02 مؤرخ في 23 يوليو سنة 2015، المعدل بالقانون 27 مارس 2017 .
− قانون رقم 17−07 مؤرخ في 27 مارس سنة 2017 المعدل و المتمم بقانون 27 مارس 2017.
ثانيا: باللغة الفرنسية
− Stefani (G), Levasseur (G), Procédure Pénale ; 2 éd. Paris, 1977

السيرة الذاتية

الإسم: عبد الرحمن عوض رجا ملالحة
مكان الميلاد: نابلس، فلسطين، إبن قرية سيلة الظهر التابعة لمدينة جنين
الحالة الإجتماعية: أعزب
إيميل: abdmalalha.92@gmail.com
المؤهلات العلمية:

  • شهادة البكالوريا(التوجيهي) من المدارس الفلسطينية في مدينة جنين.
    الإلتحاق بالجامعات الجزائرية عام 2011 و الحصول على شهادة ليسانس في القانون عام 2014 و من الحصول على درجة الماجستير في القانون الجنائي من جامعة محمد خيضر بسكرة عام 2016.
  • 2017 تدريب لدى نقابة المحاميين الفلسطينيين.
  • 2018 الإلتحاق بجامعة سعيدة سنة أولى دكتوراه تخصص القانون الجنائي و العلاقات الجنائية (جامعة مولاي الطاهر سعيدة-الجزائر).
  • شاركت في العديد من اللقاءات و المنتديات القانونية.